قديم 04-06-2008, 07:08 PM   #1
الشيخ عيسى
المشـــــرف العــــام
 
تاريخ التسجيل: Feb 2007
الدولة: دومة الجندل
المشاركات: 16,468
افتراضي التأويل لما يراه النائم بين حقيقة الرؤيا ووهم الأحلام

المنامات تنقسم حسب علمي إلى أقسام :
الأول : وهو ما يعرف بالرؤيا , والرؤيا على وزن فعلى وهي ما يراه الإنسان في منامه أو ترى له وهي حق .
الثاني : الأحلام وهي وساوس العقل وهي من الشيطان .
الثالث : الخواطر النفسية وهي ما يتعالج في فكر الإنسان في يومه قبل نومه .
فالأول : وهي الرؤيا لها اعتبارها وحكمها في الإسلام , وهي تدل على معنى ولا يسوغ إنكارها وزعم أنها خرافات , بل الرؤيا لها دلالات من الإعتبارات ما تفسر به وهذا لا يعلمه إلا من وفقه الله عز وجل لمثل هذا العلم وأذكر ما رواه الإمام البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ) .
ولذلك يقول الإمام أبو بكر بن العربي : الرؤيا إدراكات يلقيها الله في قلب العبد على يد ملك أو شيطان إما بأسمائها أي حقيقتها وإما بكناها أي بعباراتها وإما تخليطا .
ولذلك ذكر الإمام الزرقاني رحمه الله أن أهل السنة والجماعة يقولون إن الله تعالى يخلق في النائم إعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان فإذا خلقها فكأنه جعلها علماً على أمور أخرى خلقها أو يخلقها في ثاني حال , ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر وقد يتخلف .
وتلك الإعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسره وتقع تارة بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضره .
وعلى العموم فالرؤيا هي محل اعتبارات , متى عُرفت أنها رؤيا من الدلالات .
وأنا حسب علمي أدركت أن معرفة الدلالات يحتاج إلى فهم , لأن بعض المنامات لا يصدق أن تكون رؤيا , بل يُخطي من يُفسر كل منام على أنه رؤيا لأن من المنامات ما يقع أحلاماً وأحاديث نفس لا علاقة لها بالرؤيا .
وأذكر أن أحد الأخوة سألني سؤالاً فقال لي كيف تفرق بين دلالات الرؤيا وغيرها مما يراه النائم ؟ فقلت : أما الأحلام فلا سبيل لتأويلها لأنها أخلاط .قال : كيف أعرف أنها أخلاط أو أضغاث ؟. قلت : هنا ندرك أن لهذا العلم أهميته وأهله , وأنا أقسم الرؤيا حيث دلالاتها إلى كناية , وإعتبار , وظاهر , ومعنى , وهذا مما يفسر له الرؤيا .
أما الأحلام فهي اضغاث ترتبط بدلالات لا معنى لها ولا حقيقة ولا اعتبار ولا كناية فيكون من قبيل عدم النسق في الدلالة لأنها تُنذر بأشياء كالإفزاع والتهويل والتخويف وغالباً ما تقع هذه أضغاث أحلام .
وهذا يدركه المعبر بتوفيق من الله تعالى حيث يوفق لمعرفة التمييز في مثل هذا , وحتى تعرف ذلك روى الإمام مسلم رحمه الله من طريق ابن الزبير رضي الله عنه عن جابر رضي الله عنه أن أعرابياً قال : يا رسول الله إني حلمت أن رأسي قُلع وأنا أتبعه . فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام .
ولهذا قال المازري رحمه الله (( يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن منامه من الأضغاث بدلالة في المنام دلته على ذلك أو على أنه من المكروه الذي هو من تحذير الشيطان أو قد يكون علم ذلك بوحي, والوحي يخص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ) .
ومن ثم ليس كل من رأى مثل هذا يُقال له هذا أضغاث أحلام , بل قد يكون هذا رؤيا لكن بعد معرفة الدلالات التي يُستدل بها على الكيفية , لأن الناس في الرؤيا على ثلاث درجات :
1) الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ورؤياهم كلها صدق وحق .
2) الصالحون , والأغلب على ما يرونه الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تفسير .
3) ومن غير هؤلاء قد يقع في رؤياهم الصدق ويقع فيها الأضغاث . والله أعلم .
ولذلك لا نقول أن كل المنامات خرافات ووساوس بل هناك رؤى صالحة يراها الإنسان وينتفع بها بإذن الله .
وقد يمر بخاطرنا هذا السؤال
كيف نستطيع أن نمييز بين الأنواع التي ذكرتها لمعرفة هل ذلك المنام رؤيا أم من الأحلام ؟
فالجواب :
هذا يعرف بقرائن تدل على ذلك سواء كانت في الرائي أو في الرؤيا أو في زمن الرؤيا وما يتعلق بها , ولهذا قال النبي صلى الله في الحديث ( أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ) . رواه الإمام مسلم رحمه الله عن جابر رضي الله عنه .
هذا من ناحية الرائي , فالمؤمن الصادق يغلب فيما يراه على أنها رؤيا كذلك في حال الرؤيا حيث تكون واضحة الدلالات والمعالم والرموز فنجد أن الرائي يذكرها كأنه يعيشها ساعة تذكرها وقد تكون على نسق واحد .
أما الحلم فهو من وساوس الشيطان فتختلط المعالم وتتناقض الرموز ويحيطه التخليط فلا نجد له ما يحدده من المعاني وهذا لا يُفسر لأنه لا معنى له .
أما الوقت فإنك تسأل الرائي متى كان ما رأيته هل قبل الفجر أم بعده ؟وهل هو في النهار في اوله أم في آخره ؟
فأرى أن الوقت له أهميته في تحديد معرفة المنام فالرؤيا في نصف الليل الآخر يظهر أنها أصدق من غيرها .
لأن هذا الوقت تنتشر فيه ملائكة الرحمن وهو وقت شريف لنزول الله تعالى إلى السماء الدنيا نزولا يليق بجلاله وعظمته .
ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد مرفوعا وصححه ابن حبان ( أصدق الرؤيا بالأسحار ) وجاء في شرح السنة للإمام البغوي رحمه الله ( ورؤيا الليل أقوى من النهار وأصدق ساعات الرؤيا وقت السحر ) وليس معنى كلامي هذا أن الرؤيا لا تصدق إلا في هذا الوقت بل أقصد أن الرؤيا الصالحة غالبا تكون في مثل هذا الوقت أو قبله .
أما ما يتعلق بذلك فأراه في حال القائم من تعبده لله تعالى قبل النوم بالوضوء والأذكار والأوراد , ونومه على وصف السنة على جنبه الأيمن فالغالب من كان حاله قبل النوم هكذا تقع في منامه الرؤيا , أما من نام على شغل في تفكيره أو على مشكلة من كلام أو غضب , فالغالب أن ما يراه خواطر نفسية أو أضغاث أحلام لا معنى لها .
وقد نتسائل هل على الإنسان الإفصاح عما يراه في المنام لآخرين إذا كان الحلم فيه أفزاع للنفس أو تخويف ؟
الجواب :
أنا لا أرى ذلك , بل عليه أن لا يذكره لأحد حيث لا فائدة من ذكره بل عليه أن يستعيذ بالله مما رآه , ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله عن جابر رضي الله عنه أن إعرابياً قال يا رسول الله إني حلمت أن رأسي قطع وأنا أتبعه فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال لا تخبر بتلاعب بك في المنام ).
فالقصد أن مثل هذه المنامات لا داعي لذكرها للناس ولهذا يقول العلماء لمن رأى في منامه ما يزعجه أن لا يقصه على عدو ولا جاهل .
فيكفي أن يستعيذ , ومن استعاذ بالله اعاذه الله فإنها لم تضره بإذن الله , جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الرؤيا من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليتعوذ بالله من شرها فإنها لم تضره )) .
وقد يسأل أحدنا فيقول إذا كان النائم رأى ما يسره هل يفصح به لعزيز له أو صديق أو نحوه من باب أنه رأى خيرا ؟
فالجواب :
عليه أن يحمد الله تعالى أنه رأى ما يسره ولا بأس أن يحدث بها من يريد من صديق أو عزيز له , ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري رحمه الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه سلم يقول : (( إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها )) .
وكذلك يحذر من قصها على حاسد أو حاقد عليه .
وقد نتساءل هل من المجدي التأويل عبر الفضائيات كما هو حاصل اليوم ؟
فالجواب :
أنا لا أرى ذلك لأن المعبر ينبغي عليه أن يكون عالما بحال الرائي وسلوكه وشيئا من شخصيته حتى يستطيع أن يعبر منامه وهذا لا يمكن في الفضائيات .
وأيضا قد نتساءل حيث يحصل من البعض أنه إذا رأى أي منام تجده يبحث عمن يفسر له هذا المنام فهل يا ترى نعد هذا صوابا ؟.
أن لا أرى هذا صواباً ولا مجدياً وعلى الناس أن لا يسألوا عن كل ما رأوه إلا إذا كان واضحاً جلياً حسبما ذكرته سابقا من واقع الرؤيا .
ومن ثم لا نريد أن الناس ينشغلوا في طلب التأويل ويتركوا ما هو أهم من أمور الشريعة الإسلامية والفقه في الدين وما يحتاجونه لمصالح معايشهم .
وإنني أعجب ممن يقول المنامات كلها وساوس وخرافات فهذا لا شك أنه خطأ .
فقد ذكر الإمام المازري رحمه الله كما ينقله عن الزرقاني رحمه الله ( كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة , لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل ولا يقوم عليها برهان وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت أقاويلهم فيمن ينتمي إلى الطلب بسبب جمع الروايا إلى الأخلاط فيقول من غلب عليه البلغم يرى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم ومن غلب عليه الصفرى رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره .
وهذا وإن جوزه العقل وجاز أن يجري الله العادة به لكنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عاده , والقطع في موضع التجويز غلط ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنفوس فما حاذى بعض النفوس منها إنتقش وهذا أشد فسادا من الأول لكونه تحكما لا برهان عليه .
والصحيح هو ما عليه أهل السنة والجماعة وهو ما ذكرته سابقا أن الرؤيا حق يراها الإنسان وينتفع منها وتفسر له ويفسرها من يعلم هذا العلم أما الأحلام من الشيطان لأن الأحلام لا عبرة بها لأنها من الشيطان .
ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة والرؤيا ثلاثة : فرؤيا صالحة بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا مما يحدث المرء نفسه ) .
فالرؤيا إذا جاءت بدلالات الرؤيا لا بأس بالأخذ بها ما دام فيها الإنتفاع ولا تخرج عن ضابط الشرع الإسلامي سواء كان فيها الأمر أو التحذير .
وقد سألني شخص فقال : بعضهم يرى أن الميت يطلبه طعاما أو ماء أو مالا هل يُؤخذ بها وينفذ ما رآه ؟
هذا لا يُبنى عليه حكم حسب الإعتبار لكن قد يحصل في مثل هذا رؤيا إن الميت يشير إلى شيء معين فينظر , هل هو رؤيا أم لا .
وأذكر قصة طريفة : ذكر أحد العلماء ان شخصا مات وله من المال ولكنه أخفاه قبل موته ليحفظه من السارق وورثته يعلمون أن لوالدهم ذلك ويخفي عليه مكانه , ولكن أحد الورثة راى والده في المنام يقول له هناك حبل في الغرفة التي تجلسون فيها تعلق بالحبل . فتنبه وذكره لأخوانه فقام أحدهم وتعلق بالحبل فسقط كيس من بين خشب السقف فإذا هو ذلك المال فتقاسموه .
وقد يحصل هذا لكن ليس على عمومه .
وقد يتبادر إلى أذهاننا هذا السؤال , يُوجد في الأسواق من الكتب التي تتحدث عن تعبير الرؤيا هل يحصل فيها فائدة لمن يريد أن يعبر منامه ؟
أرى أنه لا فائدة فيها إلا إطلاعاً لأن المناسبات والأزمنة والشخيصات تختلف ولهذا أقول : تعبير الرؤيا من العلوم التي ترتبط بدلالات توضح الإعتبار فيها , فهي تحتاج إلى معبر له معرفة وعلم بذلك كما جاء في سورة يوسف عليه السلام قال الله تعالى (( وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) فهذا علم له أهله.
و النبي صلى الله عليه سلم قد عبر الرؤيا ففسر شربه للبن بالعلم وهذا أخرجه البخاري رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي يعني ـ عمر ـ قالوا فما أولته ؟ قال : العلم . وكذلك رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم للقميص وعبره بالدِين , وهذا أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك , ومر علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره , قالوا وما أولته يا رسول الله ؟ قال : الدِين .
وقد ذكر العلماء مثل ذلك الكثير الذي لا يتسع ذكره هنا .
ولهذا أوصي الأخوة والأخوات أن لا ينشغلوا كثيراً في طلب تأويل كل ما يرونه ثم لندرك أن هذا علم له أهله .


التعديل الأخير تم بواسطة الشيخ عيسى ; 01-22-2011 الساعة 05:41 PM
الشيخ عيسى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:34 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.